فتات من المائدة

وَإِذَا امْرَأَةٌ كَنْعَانِيَّةٌ خَارِجَةٌ مِنْ تِلْكَ التُّخُومِ صَرَخَتْ إِلَيْهِ قَائِلَةً:«ارْحَمْنِي، يَا سَيِّدُ، يَا ابْنَ دَاوُدَ! اِبْنَتِي مَجْنُونَةٌ جِدًّا». 23فَلَمْ يُجِبْهَا بِكَلِمَةٍ. فَتَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ وَطَلَبُوا إِلَيْهِ قَائِلِينَ:«اصْرِفْهَا، لأَنَّهَا تَصِيحُ وَرَاءَنَا!» 24فَأَجَابَ وَقَالَ:«لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ». 25فَأَتَتْ وَسَجَدَتْ لَهُ قَائِلَةً:«يَا سَيِّدُ، أَعِنِّي!» 26فَأَجَابَ وَقَالَ:«لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلاَب». 27فَقَالَتْ:«نَعَمْ، يَا سَيِّدُ! وَالْكِلاَبُ أَيْضًا تَأْكُلُ مِنَ الْفُتَاتِ الَّذِي يَسْقُطُ مِنْ مَائِدَةِ أَرْبَابِهَا!». 28حِينَئِذٍ أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهَا: «يَا امْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ! لِيَكُنْ لَكِ كَمَا تُرِيدِينَ». فَشُفِيَتِ ابْنَتُهَا مِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ. متى 15: 22-28

 

ظلت تلك المرأة تطلب إلى السيد بإلحاح متزايد جاثية عند قدميه وصارخة تقول: يَا سَيِّدُ، أَعِنِّي! (متى 15: 25). لكن يسوع ظل وكأنه يتغاضى عنها كمن يرفض توسلاتها. وطبقاً لتعصب اليهود وجحود شعورهم أجابها قائلاً: لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلاَب (متى 15: 26). فكان هذا الجواب في الواقع تأكيداً أنه ليس من العدل أن يغدق البركات المرسلة لشعب الله المفضل على الأجانب، والغرباء عن إسرائيل. هذا الجواب كان يمكن أن يكون كافياً لتثبيط من لم يكن في مثل غيرة وإلحاح المرأة. ولكن هذه المرأة رأت أن فرصتها قد حانت، إذ رأت خلف رفض يسوع الظاهر رأفة لم يستطع إخفاءها، فأجابته بقولها: نَعَمْ،  يَا سَيِّدُ ! وَالْكِلاَبُ أَيْضًا تَأْكُلُ مِنَ الْفُتَاتِ الَّذِي يَسْقُطُ مِنْ مَائِدَةِ أَرْبَابِهَا ! (متى 15: 27).  ففي حين أن أبناء البيت يأكلون على مائدة أبيهم، فالكلاب لا تُترك بدون طعام، فإن لها الحق في الفتات الساقط من تلك المائدة الحافلة بالطعام. وكذلك في حين توجد بركات وفيرة تعطى لإسرائيل أفلا توجد بركة لأجلها هي أيضا؟ لقد كان ينظر إليها على أنها كلبة، أفلا حق لها في الفتات الساقط من المائدة الذي هو من نصيب الكلاب والذي يفيض من فيض سخائه؟

إن يسوع كان قد ترك حقل خدمته لأن الكتبة والفريسيين كانوا يتعقبونه ليقتلوه. كانوا يتذمرون ويشتكون. لقد أظهروا عدم الإيمان والمرارة ورفضوا الخلاص المقدم لهم مجانا. وهنا يلتقي المسيح بواحدة من ذلك الجنس المحتقر المنكود الحظ،  لم يكن لها حق التمتع بنور كلمة الله ومع ذلك فهي في الحال تخضع لتأثير المسيح الإلهي، وغدا إيمانها ثابتا لا يتزعزع بقدرته على أن يمنحها الإحسان الذي تطلبه. وهي تطلب أن يسمح لها بالتقاط الفتات الساقط من مائدته. فلو سمح لها بأن تنال حظوة الكلاب فهي تقبل أن يحسبها كالكلاب. ليس في قلبها أي تعصب قومي أو ديني ولا أي كبرياء لتؤثر في تصرفاتها، وفي الحال اعترفت بيسوع كالفادي وكمن هو قادر على أن يجيبها إلى كل ما تطلبه منه.

اكتفى المخلص وشبعت نفسه.  لقد امتحن إيمانها به.  وبتصرفه معها برهن على أنها هي التي كانت معتبرة منبوذة من إسرائيل ما عادت غريبة بل صارت ابنة في بيت الله. وكابنة كان لها الامتياز أن تشترك في هبات الله. وها المسيح يمنحها الآن طلبها ويختتم الدرس المقدم لتلاميذه.  وإذ يلتفت إليها بنظرة العطف والمحبة يقول: يَا امْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ ! لِيَكُنْ لَكِ كَمَا تُرِيدِينَ. (متى 15: 28).  وقد شفيت ابنتها من تلك الساعة وما عاد الشيطان يزعجها بعد ذلك. فعادت المرأة إلى بلدها معترفة بمخلصها وسعيدة لأن صلاتها قد استجيبت.

مشتهى الاجيال 376 - 377